ابن عجيبة
203
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً بهذه المواضع ، وَمَكَرْنا مَكْراً ؛ أهلكناهم إهلاكا غير معهود ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي : من حيث لا يحتسبون ، فمكرهم : هو ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السّلام وأهله . ومكر اللّه : إهلاكهم من حيث لا يشعرون . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أي : فتفكر في أنه كيف كان عاقبة مكرهم . فسره بقوله : أَنَّا دَمَّرْناهُمْ : أهلكناهم بالصيحة وَقَوْمَهُمْ الذين لم يكونوا معهم في التبييت أَجْمَعِينَ . روى أنه كان لصالح مسجد في شعب يصلّى فيه . فقالوا : زعم صالح يفرع منا إلى ثلاث ، وقد رأى علامة ذلك ، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث ، فخرجوا إلى الشعب ، وقالوا : إذا جاء يصلى قتلناه ، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم ، فبعث اللّه تعالى صخرة من الهضب التي حيالهم « 1 » ، فبادروا ، فأطبقت الصخرة عليهم فم الشعب ، فلم يدر قومهم أين هم ، ولم يدروا ما فعل بقومهم ، وعذّب اللّه كلّا في مكانه ونجى صالحا ومن معه . وقال ابن عباس : أرسل اللّه الملائكة ليلا ، فامتلأت بهم دار صالح ، فأتى التسعة إلى دار صالح ، شاهرين السيوف ، فقتلتهم الملائكة بالحجارة يرون الحجارة ، ولا يرون راميا « 2 » . . ه . ويمكن الجمع بأن بعضهم مات تحت الصخرة ، وبعضهم أتى إلى دار صالح فقتل . قال تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً ؛ ساقطة متهدمة ، من : خوى النجم : إذا سقط . أو : خالية من السكان ، بِما ظَلَمُوا ؛ بسبب ظلمهم . إِنَّ فِي ذلِكَ أي : فيما ذكر من التدمير العجيب لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قدرتنا ، فيتعظون . وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أي : صالحا ومن معه من المؤمنين ، وَكانُوا يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي ، اتقاء مستمرا ، ولذلك نجوا مع صالح . قال مقاتل : لما وقت لهم صالح العذاب إلى ثلاث ، خرج أول يوم على أبدانهم مثل الحمّص أحمر ، ثم اصفر من الغد ، ثم اسود من اليوم الثالث . ثم تفقأت ، وصاح جبريل في خلال ذلك ، فخمدوا ، وكانت القرية المؤمنة الناجية أربعة آلاف ، خرج بهم صالح إلى حضرموت ، فلما دخلها مات صالح ، فسميت حضرموت . ه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : وكان في مدينة القلب تسع علل ، يفسدون فيها ولا يصلحون ، وهي حب الدنيا ، وحب الرئاسة ، والحسد . والكبر ، والحقد ، والعجب ، والرياء ، والمداهنة ، والبخل ، هم أفسدوا قلوب الناس ، وتقاسموا على هلاكها ، ومكروا بهم حتى زيّنوا لهم سوء عملهم ، ومكر اللّه بهم ، فدفعهم ودمّرهم عن قلوب الصالحين ، فتلك بيوتهم خاوية منها ، أخرجهم منها ، بسبب ظلمهم لها .
--> ( 1 ) حياله : إزاءه . ( 2 ) انظر تفسير البغوي ( 6 / 170 ) .